المتعارف عليه “اليتيم” مَن مات أبوه، وإن كان هذا المصطلح موافقًا للشرع والواقع، ولكن ما نعنيه أن هناك عناوين وحالات تخالفه؛ فمع الأب حيًا يكون الولد “الجنسين” أشدَّ يتمًا من غيابه.. منها الطلاق:
عند انفصال الزوجين “إلا ما ندر من تفاهم بين الأبوين لحفظ الأولاد” يؤول مصير الأبناء، وقت حاجتهم الماسة لمن يحتضنهم، إلى الشتات؛ فلا أم تشبعهم عطفًا، ولا أب يرعاهم، كلاهما يلقي باللائمة على الآخر ويحمله الأسباب. ومع ذلك نسمع عن أمهات ضحين بملذاتهن وحملن أعباء الطرفين لأجلهم، كذلك آباء تعاملوا بعقلانية، فلا آثار سلبية إن افترقا، والكل قائم بوظيفته نحوهم دون نقصان.
أما إذا تزوجت الأم أو اقترن الأب بأخرى، هنا تزيد معاناتهم، وتتحول حياتهم إلى جحيم؛ لا يتقبلهم الزوج لأنهم خارج مسؤوليته، ولا الزوجة لأنها ترى مزاحمتهم لأولادها، وهو المشهور الغالب. بينما نجد أحيانًا هذه وذاك الأفضل لهم تربيةً وعنايةً، بالخصوص إذا كان الطفل فاقدًا لأحد أبويه.
إلى أن يصبحوا في ظلام دامس، لا يدرون أين يتجهون، أي الطرق يسلكون بأمان، وطوق نجاة من الانحراف، لا موجّه ولا رقيب، إلى أن ينتهي مصيرهم المحتوم لشارع مظلم آووا إليه، استبدلوا الدور قهرًا بأوكار الفئة الضالة، حتى أوقعتهم في شباكها الممتلئة بالمخدرات وأصناف الجرائم الكبيرة: قتل وإرهاب وسرقات، “إلا ما رحم ربي”. ضحايا الخلافات الأسرية والعنف الفكري، ما ذنبهم يُحرمون من حقوقهم؟
تتقاذفهم الأمواج إلى الساحل تارة، ربما تُكتب لهم النجاة، وتارات إلى قعر البحر تعيدهم، تأكلهم الحيتان. إذًا هم أيتام والآباء أحياء..
في المقابل، كم رأينا من أولئك أخيارًا صنعتهم الظروف القاسية، اعتمدوا من الطفولة على أنفسهم، غربلوها مما يشين، يُفخر بهم رموزًا في مجتمعاتهم: من ولدٍ صالحٍ مثقفٍ رفع رأس أبيه وقبيلته، وبنتٍ عفيفةٍ متعلمةٍ شرّفت أمها وعائلتها.
لهذا علينا جميعًا أخذ الحذر الشديد والحرص على أولادنا من البداية، إن انقطعت الصلة بيننا كأزواج، أكثر لو كنا مجتمعين؛ نجاحهم يعنينا، وفشلهم يُنسب إلينا. على الكل أن يقوم بواجبه، الكبار يتغاضون لصالح الصغار ما أمكن حتى يكبروا بسلام..
ليتني ما تركت وقتها لا تنفع بشيء، لا تصلح ما أفسد الدهر..



